السيد كمال الحيدري
186
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)
ففي النسبة إلى الواحد نجد : أنّ العدد اثنين سابق والثلاثة متأخّرة ، فالاثنان أقرب إلى الواحد من الثلاثة ، فالعدد اثنان له من النسبة المشتركة أكبر من الثلاثة إزاء الواحد ، لذا يسمّى الاثنان سابقاً ومتقدّماً على الثلاثة ، والثلاثة لاحقة ومتأخّرة عن الواحد ، فيختلف السابق واللاحق في النسبة المشتركة بالكمال والنقص . وفي الحقيقة : أنّ الأمر الرابع - وهو وجود نسبة مشتركة بين السابق واللاحق - هو حقيقة السبق واللحوق ، كما يظهر من كلمات المصنّف في بداية الفصل الثالث حيث يقول : « في المعيّة وهي اشتراك أمرين في معنى من غير اختلاف بالكمال والنقص اللذين هما في التقدّم والتأخّر » . وبهذا يتّضح : أنّ مفهوم التقدّم والتأخّر هو الأقربيّة والأبعديّة عن مبدأ محدود كما يشير إلى ذلك الشيخ في إلهيّات الشفاء بقوله : « المشهور عند الجمهور هو المتقدّم في المكان والزمان . وكان التقدّم والقبل في أشياء لها ترتيب ، فما هو في المكان فهو الذي أقرب من ابتداء محدود ، فيكون له أن يلي ذلك المبدأ ، حيث ليس يلي ما هو بعده ، والذي بعده يلي ذلك المبدأ وقد وليه هو . وفي الزمان كذلك أيضاً بالنسبة إلى الآن الحاضر أو أن يفرض مبدأ وإن كان مبدأ مختلفاً في الماضي والمستقبل كما تعلم . ثمّ نقل اسم القبل والبعد من ذلك إلى كلّ ما هو أقرب من مبدأ محدود » « 1 » . وعلى هذا الأساس فإنّ انتزاع هذين المفهومين - السبق واللحوق - يتوقّف على تصوّر شيئين مترتّبين وتصوّر مبدأ لهما ، يشتركان في النسبة إلى ذلك المبدأ ويفترقان في أنّ لأحدهما من النسبة ما للآخر دون العكس ، وسيتّضح ذلك أكثر حين بيان أقسام السبق واللحوق .
--> ( 1 ) إلهيّات الشفاء ، الفصل الأوّل من المقالة الرابعة : ص 163 .